تَقديم لِمَسرحيّة «ابن الرومي في مدن الصفيح» — أُنموذج المسرح الاحتفالي المَغربي عند عبد الكريم برشيد. تُمَزج بَين التُّراث والحَداثة، وَتَستحضر شَخصيّة ابن الرومي رَمزاً للمُثَقَّف بَين الالتزام والاغتراب.
عبد الكريم برشيد (مَواليد 1943 بمدينة بَني ملال، المَغرب) كاتب مَسرحي ومُنظِّر — أَحد رُوّاد المسرح الاحتفالي في المَغرب. أَسَّس مع جَماعة من المسرحيّين المَغاربة «جَماعة الاحتفاليّة في مَراكش» سنة 1979.
مَسرحيّة «ابن الرومي في مُدن الصَّفيح» صَدرَت سَنة 1978. وَهي من أَهمّ نُصوصه المَسرحيّة التي تُجسّد مَنهج الاحتفاليّة. تَتناول قَضايا الهَامش الاجتماعي، التَّهجير، خيانة المُثَقَّف، ودَور الفَنّ في تَغيير الواقع.
كُتِبَت في فَترة كان فيها المَغرب يَشهد تَحَوُّلات اجتماعيّة عَميقة — هِجرة قَرويّة كَثيفة، ظُهور مُدن الصَّفيح حَول المُدُن الكُبرى، تَنامي الفَجوة بَين الأَغنياء والفُقَراء. كَما عَرَفت الساحة الفِكريّة صَحوة يَساريّة بَدأت تَنتقد المَسارات السياسيّة لـمَا بَعد الاستِقلال.
قراءة في عُنوان المَسرحيّة — العُنوان مُركَّب من ثَلاثة عَناصر:
المَسرحيّة تَقوم على الفِكرة المَركَزيّة: ابن الرومي يَدخل إلى مُدن الصَّفيح، يُرافق ساكنيها، ويُجسّد تَجربة المُثَقَّف الذي يُواجه واقعاً قاسياً. مَن يَكون ابن الرومي اليَوم؟ كيف يَستجيب لِواقع الفَقر والظُّلم؟
تَحليل المَسرح الاحتفالي ومَنطلقاته:
الاحتفاليّة تَيّار مَسرحي مَغربي أَسَّسَه عبد الكريم برشيد وجَماعة من المَسرحيّين سَنة 1979. يَطرح بَديلاً للمسرح الأرسطي الغَربي — مَسرح يَستلهم الفُرجة الشَّعبيّة العَربيّة (الحلَقة، خَيال الظِّلّ، الـمَدّاحين).
مَسرحيّة «ابن الرومي في مُدن الصَّفيح» تَجريب مَسرحي رائد في المَغرب والوَطن العَربي. تَجمع بَين الالتزام السياسي (تَصوير الواقع الـمَأزوم)، والتَّجريب الفَنّي (تَجاوز المَسرح الأرسطي)، واستلهام التُّراث (الـحَكواتي، خَيال الظِّلّ).
برشيد لا يَكتفي بـنَقل الواقع، بل يَطرح أُفُقاً للتَّغيير: عَبر الفَنّ، عَبر اللِّقاء الـحَيّ، عَبر الـوَعي بقُدرة الـمَسرح على إعادة تَشكيل العالم. الـمَسرحيّة دَعوة لِلتَّحرُّر من قَوالب المَسرح ومن قَوالب الواقع مَعاً.
القيمة الفَنّيّة: هذا التَّقديم يُعطي صورة عامّة عَن المُؤلَّف وَمَدرسته الـمَسرحيّة. الاحتفاليّة مَدرسة مَغربيّة أَصيلة أَثَّرت في المَسرح العربي ككلّ.
الرَّاهنيّة: ما طَرَحَه برشيد من قَضايا (مُدن الصَّفيح، خِيانة المُثَقَّف، الفَنّ والـواقع) راهن دائماً. الـ«صَفيحيّون» الـمُهَجَّرون مَوجودون اليَوم بأَشكال جَديدة (لاجِئون، نازِحون، مُهَمَّشون).
المُقارَنة: تَلتقي الاحتفاليّة مع برتولد بريشت في الـمَسرح الـمَلحَمي، وَمَع أوجستو بوال في «مَسرح الـمَقهورين»، لكنّها تَحتفظ بأَصالة عَربيّة-مَغربيّة في استلهام التُّراث.