في هذا الفَصل، يَتناول المعداوي تَجربة المَوت والحياة كَتَجاوُز ديالكتيكي لتَجربة الغُربة والضَّياع — تَجربة تَنطلق من الإقرار بالمَوت (مَوت الواقع، الذات، الحَضارة) لتَصل إلى أُفُق الحياة والانبعاث.
يَأتي هذا الفصل في تَتابُع منطقي مع الفَصل السابق: إذا كانت تَجربة الغُربة والضّياع تُمثّل المَرحلة السلبيّة (إقرار بالأَزمة)، فإنّ تَجربة الموت والحياة تُمثّل المرحلة الجَدليّة التي تَتجاوز الإقرار إلى البَحث عن مَخرج.
تَجربة المَوت والحياة ليست تَفاؤلاً ساذجاً، بل وَعي عَميق بأنّ الانبعاث يَمرّ عبر المَوت — تَأثُّر بالأَساطير الزراعيّة (تَمّوز، عَشتار، أَدونيس) التي تَجعل المَوت شَرطاً للحياة الجَديدة.
عُنوان الفَصل: «تَجربة الموت والحياة» — يَجمع بين ثُنائيّة مُتقابلة ظاهريّاً (الموت/الحياة)، لكنّها في الواقع وَجهان لتَجربة واحدة.
تَطرح التَّجربة إشكاليّة العَلاقة بين المَوت والحَياة في الشعر العربي الحديث:
يَتتبَّع المعداوي تَجلِّيات تَجربة الموت والحياة في الشعر العربي الحديث:
السيّاب: «المسيح بعد الصَّلب» — مَوت المسيح هو ضَمان البَعث الجَماعي.
أَدونيس: «أَغاني مهيار الدمشقي» — مَهيار يَستعمل المَوت لخَلق ولادة جَديدة.
البياتي: «الذي يَأتي ولا يَأتي» — انتظار البَطل المُنقذ، تَجربة المَوت في الانتظار والحياة في الأَمل.
خَليل حاوي: «نَهر الرَّماد» و«الجِسر» — تَجربة الانبعاث الحَضاري عبر القُربان.
تَجربة المَوت والحياة أَنضج وأَعمق تَجارب الشعر العَربي الحَديث. تُتيح للشاعر تَجاوُز السَّوداويّة المُطلَقة دون السُّقوط في التَّفاؤل السَّاذج. تَفتح أُفُقاً جَدليّاً يَجعل من الهَزيمة بِدايةً جَديدةً.
هذه التَّجربة تَكشف عن نُضج فَنّي لدى الشاعر العَربي الحديث: قُدرته على التَّعامل مع الواقع المُعَقّد بأَدوات فَنّيّة وأُسطوريّة ودينيّة وفَلسفيّة. وَتُعطي للشعر العَربي بُعداً كَونيّاً إنسانيّاً يَتجاوز الإطار العَربي الضَّيّق.
القيمة: رَكَّز المعداوي على هذه التَّجربة لأنّها تُجَسّد عُمق المَنجَز الشعري. الشاعر الذي يَعيش الغُربة قد يَكتفي بالشَّكوى، لكنّ الشاعر الذي يَعيش تَجربة المَوت والحياة يَتجاوز الشَّكوى إلى الفِعل الإبداعي الخَلّاق.
الرَّاهنيّة: ما زال السُّؤال مَطروحاً اليوم: هل سيَنبعث الإنسان العَربي من رَماد هَزائمه؟ تَجربة المَوت والحياة في الشعر الحَديث تُقدّم رُؤيةً تَفاؤليّة بحَذَر — الانبعاث مُمكن، لكنّه يَتطَلَّب قُربان المَوت الرَّمزي.
التَّحفُّظ: ربّما رَكَّز المعداوي بشَكل مُفرط على البُعد الأُسطوري، وأَهمَل بَعض الأَبعاد السياسيّة والاجتماعيّة لِهذه التَّجربة عند بعض الشعراء.