الفصل الأول من كتاب «ظاهرة الشعر الحديث» يَتناول التطور التدريجي الذي عَرَفه الشعر العربي بَدءاً من الإحياء وصولاً إلى الشعر الحُرّ — يَكشف المعداوي عن أَزمة القَصيدة العربيّة وعوامل التَّحوُّل.
كتاب ظاهرة الشعر الحديث أوّل كتاب مَغربي قارَب موضوع الشعر العربي الحديث في فترة كان التَّأليف فيها حول هذا المَوضوع مَطبوعاً بالقلّة والنّدرة. سَعى المعداوي إلى صياغة تَصوّر نَظري وتَطبيقي يَتجاوز السائد.
صاحب الكتاب أحمد المعداوي المعروف بالمجاطي (1936-1995) شاعر وناقد مغربي. نال دبلوم الدراسات العُليا سَنة 1971 بأطروحته «حركة الشعر الحديث بين النَّكبة (1948) والنكسة (1967)»، وكان من المؤسسين الأوائل لحركة الحَداثة في الشعر المَغربي. فاز بجائزة ابن زيدون وجائزة المغرب الكُبرى للشعر.
صدر الكتاب في فترة كانت الساحة النقدية العربية تَعرف فيها ثَلاث تَجارب شعريّة كُبرى: تجربة الإحياء، تجربة الرومانسية، تجربة الشعر الحُرّ. والكتاب يَطرح إشكاليّة أَسباب التَّحوُّل من نَمَط إلى آخر.
عنوان الفصل: «التطوّر التدريجي في الشعر الحديث» — يَتضمَّن مُفردتَين دلاليّتَين:
يُحدّد المعداوي ثَلاث مَراحل للتطوّر التدريجي في الشعر العربي الحديث:
ابتدأت مع البارودي (مصر) وامتدّت إلى شَوقي وحافظ إبراهيم. تَميّزت بـإحياء نَموذج القَصيدة العَربيّة القَديمة: المُحافظة على الوَزن الخَليلي والقافية المُوحَّدة، والاستلهام من النَّماذج العَبّاسيّة والجاهليّة. هَدفها: استرداد الكَرامة الأدبيّة بعد قُرون من الانحطاط.
بَدأت مع جماعة الديوان (العقاد، شكري، المازني)، ثُمّ أبولّو (أبو شادي)، والمهجر (جبران، أبو ماضي، نُعيمة). تَميّزت بـتَجاوز التَّقليد: الذاتيّة الوجدانيّة، الوَحدة العُضويّة للقَصيدة، التَّحرُّر من بَعض القُيود.
انطلَقت سنة 1947 مع نازك المَلائكة (قصيدة «الكوليرا») والسيّاب (قصيدة «هَل كان حُبّاً»). تَميّزت بـالانكسار التامّ مع البِنية العَروضيّة التَّقليديّة: الاعتماد على التَّفعيلة بَدلاً من البَحر، تَفاوُت أَطوال الأَسطر، التَّحرّر من القافية الواحدة.
يَستعرض المعداوي العَوامل المُحدِّدة للتطوّر في الشعر العربي الحديث:
الوَعي الفنّي الجديد: اكتشاف الشعراء لِقُصور القَصيدة العَموديّة عن استيعاب التَّجربة الحديثة.
السِّياق التاريخي والسياسي: الهَزائم المُتتالية (نَكبة 1948، نَكسة 1967) كَشَفت عُمق الأزمة العربيّة.
يَخلُص المعداوي إلى أنّ التطوّر التدريجي في الشعر العربي الحديث لم يَكن قَفزة مُفاجئة بل مَساراً مُتدرّجاً أَفرَزته شُروط مَوضوعيّة وذاتيّة مُتشابكة.
هذا التَّصوّر يَردّ على من اعتبر الشعر الحُرّ قَطيعة جَذريّة مع التُّراث، ويُؤكّد أنّ كلّ مَرحلة جَديدة كانت نتيجة طبيعيّة لِما سَبَقها، ومُحاولة لتَجاوُز ما عَجَزت عنه المَرحلة السابقة في استيعاب التَّجربة العَربيّة.
قيمة الفَصل: يُقدّم تَصوّراً تاريخيّاً مُتكاملاً يَجمع بين الرَّصد التَّأريخي والتَّحليل الأَدبي والسوسيولوجي — مَنهج يَنتمي إلى التَّقاليد النَّقديّة الجَادّة.
الراهنيّة: رَغم مُرور عُقود على صُدور الكتاب، تَظلّ تَحليلات المعداوي صالحة لِفَهم تَطوّر الشعر العربي، وَتُضيء كذلك تَحوُّلاته المُعاصرة (قَصيدة النثر، الشعر الرقمي).
المُقارنة: يَلتقي تَصوّر المعداوي مع تَصوّر إحسان عبّاس (في كِتابه «اتّجاهات الشعر العربي المُعاصر»)، ويَختلف عن مُقاربات أَدونيس (في «الثابت والمُتحوّل») التي تَطرح التَّحوُّل من زاوية الإبستمولوجيا الشعريّة لا التَّأريخ.