يَدرس هذا المُنظور البُعد النفسي لشخصيّة سعيد مَهران — يَكشف عن تَشَظِّي الذات ومُعاناته الداخليّة عبر تَيّار الوَعي والمونولوج الداخلي. هذا البُعد هو روح الرواية.
الرواية الحديثة تَتجاوز السَّرد الخارجي إلى استكشاف الذات الداخليّة. هذا التَّوجّه ابتدأ مع دوستويفسكي ثُمّ تَطوَّر مع جويس وكافكا. وَنجيب محفوظ من أَبرز مَن طَبَّق هذه التِّقنيّات في الرواية العَربيّة.
في «اللصّ والكلاب»، يَستخدم محفوظ تَيّار الوَعي والمونولوج الداخلي لتَجسيد تَشَظِّي شَخصيّة سعيد — انفصامها بين الماضي والحاضر، بين الفِكر والفِعل، بين الانتقام والحُبّ.
المَلامح النفسيّة لسعيد مَهران كَما تَتجلَّى في الرواية:
الإشكال النفسي في الرواية:
تَحليل البُعد النفسي عبر التِّقنيّات السَّرديّة:
تِقنية أَدبيّة تَنقل الأَفكار كما تَتدفَّق في ذِهن الشَّخصيّة — دون تَنظيم مَنطقي، دون فَصل بَين الماضي والحاضر. تَبرز قُدرة محفوظ في فُصول مَركَزيّة حيث نَدخل إلى أَعماق سعيد.
حِوار سعيد مع نَفسه — يَكشف عن صِراعاته الباطنيّة. مُونولوجاته تَخلط بَين:
القَفز إلى الماضي لإِضاءَة الحاضر. سعيد يَستدعي ذِكرياته بشكل مُتقطّع — لَحظات السَّعادة مع نَبَويّة، الدُّروس مع رؤوف، خِيانة عُلَيش — هذه الذِّكريات تُجسّد الجُرح المُستمر.
سعيد يَتحرَّك ويَنتقم، لكنّه أَيضاً يَتأمَّل ويَنقد نَفسه. هذه الثُنائيّة بَين الفِعل والتَّفكير تَكشف عن عُمق الشَّخصيّة. سعيد ليس بَطلاً تَقليديّاً مُكتمل المَلامح، بل إنسان مأزوم يَعيش الصِّراع داخل نَفسه قبل أن يَخوضه خارجها.
البُعد النفسي في الرواية يَكشف أنّ المأساة الحَقيقيّة ليست في الأَحداث الخارجيّة، بل في داخل سعيد. الانتقام الفِعلي يَأتي ثانوياً، لأنّ الانكسار النفسي قد وَقَع منذ زَمن — منذ الخِيانة.
محفوظ يُجسّد نَموذجاً للإنسان المُعاصر: مُنقَسم على نَفسه، مُحاصَر بالذِّكريات، يَبحث عن مَعنى في عالَم فَقَدَ المعنى. هذا البُعد النفسي يُلحق الرواية بـأَدب القَلق الوُجودي الذي مَيَّز القَرن العشرين (كافكا، كامو، سارتر).
القيمة الفَنّيّة: الكَشف عن البُعد النفسي يَجعل من «اللصّ والكلاب» أَكثر من مُجرَّد رواية بوليسيّة. إنّها تَشريح نفسي لشخصيّة في حالة انكسار، نَموذج لكلّ إنسان مُعاصر يَعيش تَشظّي الذات.
الرَّاهنيّة: الأَزمة النفسيّة لسعيد مَهران راهنة دائماً — كلّ إنسان مُكسور أمام خِيانة أو هَزيمة يَعرف ما يَعيشه سعيد. الرواية تَنفذ إلى العالَمي عبر الخاصّ.
التَّقَنيّة: استعمال محفوظ لِتَيّار الوَعي يَجعل الرواية قَريبة من تَجارب جويس وفولكنر، مع احتفاظها بـالخُصوصيّة العَربيّة المِصريّة.