المُنظور الأَوّل في دراسة «اللصّ والكلاب» — يَتتبَّع السَيرورة السرديّة للأَحداث: مِن خروج سعيد مَهران من السجن إلى مَوته في المَقابر. يُحدّد المَراحل الكُبرى للحَدَث وتَطَوُّره.
نجيب محفوظ (1911-2006) رِوائيّ مِصري حائز على جائزة نوبل للأَدب سنة 1988. يُعدّ رائد الرواية العربيّة الحديثة. كَتَب أَكثر من ثَلاثين رواية ومَجموعة قَصصيّة، أَهمّها: «الثلاثيّة» (بين القَصرَين، قَصر الشَّوق، السُّكَّريّة)، «أَولاد حارتنا»، «ميرامار»، و«اللصّ والكلاب».
صَدرَت رواية «اللصّ والكلاب» سَنة 1961، في فترة ما بعد ثَورة يوليو 1952. تُجسّد أَزمة المُثَقَّف العربي الذي خانته الثَّورة، وتَنتمي إلى مَرحلة الواقعيّة الجَديدة في كِتابات محفوظ، التي تَنتقل من تَصوير العائلة إلى تَصوير الفَرد المُغترب.
بَعد عقد من ثَورة يوليو، بَدأ الحُلم الثَّوريّ يَتآكَل. تَحوّل بَعض قادة الثَّورة إلى نُخبة جَديدة، وانكسرَت آمال المُثَقَّفين اليَساريّين. شَخصيّة رؤوف عِلوان في الرواية تُجسّد هذا المَوقف: المُثَقَّف الذي خانت مَبادئه السُّلطة الجَديدة.
العنوان «اللصّ والكلاب»: يَجمع بين عُنصرَين:
الرواية تَسرد مَسار سعيد مَهران بَعد خُروجه من السِّجن. هو لصّ سابق كان يَعمل لِصالح فِكرة عَدالة اجتماعيّة (السَّرقة من الأَغنياء وتَوزيع الأَموال). لكنّه أَودى به غَدر الأَقربين:
يَتطوّر الحَدَث في الرواية وَفق خَطاطة سَرديّة كاملة:
تَبدأ الرواية بخُروج سعيد من السجن بعد أَربع سَنوات. يَجد أنّ زَوجته نَبَويّة قد طَلَّقها قاضي الشَّرع وتَزوَّجت من عُلَيش. ابنته «سَناء» نَسيته. يَجد نَفسه وَحيداً مُنكسراً أمام واقع جَديد لا يَعرفه.
يَقرّر سعيد الانتقام من الثَّلاثة الذين خانوه: نَبَويّة وعُلَيش ورؤوف عِلوان. يَلجأ إلى الشيخ علي الجُنيدي طَلَباً للسَّند الروحي، ثُمّ إلى «طَرزان» (صديق قديم) للحصول على مَسدّس. يَنطلق مَشروع الانتقام.
تَتعقَّب الشُّرطة سعيد. يَلجأ إلى المَقابر — رَمز قَوي. تُحاصره الشُّرطة، يَفقد نور (لا نَعرف مَصيرها بالضَّبط). يَدخل في حالة من الهَذيان الداخلي يَستحضر فيها ذِكرياته وأَفكاره.
يَنتهي سعيد مُحاصراً في المَقابر، يَستسلم لِمَصيره. الرواية تَختتم بصورة المَوت كَانكسار نهائي للمَشروع الثَّوري الفَردي. لكنّها أيضاً تَفتح أَسئلة حَول جَدوى الانتقام والعَدالة في مُجتمع مَختلّ.
مَسار الحَدث في الرواية يَتجاوز السَّرد المُجَرَّد ليُجسّد أَزمة وُجوديّة. سعيد ليس مُجرَّد لِصّ، بل رَمز للمُثَقَّف الذي خانته السُّلطة الجَديدة. الانتقام ليس مَوضوعاً جِنائيّاً، بل سَعي للعَدالة في غياب القَضاء العادل.
الرواية تَكشف عن التَّناقُض المَركَزي في ثَورة 1952: الثَّورة التي جاءت لتَحرير الفُقراء، تَحوّلت إلى سُلطة جَديدة، فيما بَقي الفَقير (سعيد) أَكثر غُربة من ذي قبل. السَّرد الخَطّي الظاهر للأَحداث يُخفي سَرداً عَميقاً لِأَزمة العَصر.
القيمة الفَنّيّة: رواية «اللصّ والكلاب» تَجمع بين السَّرد الواقعي التَّقليدي وتِقنيّات السَّرد الحَديث (تَيّار الوَعي، الاستِرجاع). هذا المَزج يَجعلها نَموذجاً للرواية الواقعيّة الجَديدة.
الرَّاهنيّة: تَظلّ الرواية ذات راهنيّة عَربيّة في زَمن تَتجدّد فيه أَزمة المُثَقَّف وأَزمة العَدالة. سعيد مَهران رَمز خالد للفَرد الذي يَجد نَفسه وَحيداً أمام مَنظومة غادرة.
المُقارنة: تَلتقي الرواية مع روايات ألبير كامو (الغَريب) في تَجربة الاغتراب والعَبث، ومع روايات كافكا في تَجربة الإنسان المَطارد. لكنّها تَحتفظ بـخُصوصيّتها المِصريّة العَربيّة.